مشكلات القطاع النفطي في محافظة البصرة
أ.م.د. عبد الجبار الحلفي[1] أ.م أمجد صباح[2]
تعتبر محافظة البصرة ذات أهمية كبيرة للاقتصاد العراقي، ويرجع السبب في ذلك إلى كبر حجم الثروة النفطية والغازية التي تمتلكها، لكن القطاع النفطي يعاني في المحافظة ممثلاً بشركاته النفطية العديد من المشاكل والمعوقات والصعوبات التي جعلت منه قطاعاً متخلفاً تكنولوجياً ترجع التقنيات التي يستخدمها إلى عقود السبعينيات من القرن الماضي، إذ ظل هذا القطاع منعزلاً عن التطورات التكنولوجية التي شهدتها الصناعة النفطية، لذلك فهذه الدراسة تسلط الضوء على أبرز مشاكل الشركات النفطية التي تعمل داخل محافظة البصرة ومن ثم تقدم مجموعة من المقترحات لتطوير عملها.
يضم العراق 530 تركيباً جيولوجياً فيها احتمالات نفطية جيدة جداً، حُفر منها نحو 115 موقعاً في الوقت الحاضر وما يزال نحو 415 موضعاً يتطلب الاستكشاف، فالعراق يملك ثالث أكبر احتياطي نفطي مؤكد قُدّر بـ 115 مليار برميل شكل نسبة 12,23% من احتياطي أوبك عام 2007، أما الاحتياطي غير المؤكد في المصادر غير المكتشفة الذي يرى الخبراء من المحتمل اكتشافه في الطبقات الأعمق من الحقول المكتشفة وفي تراكيب جيولوجية جديدة تم تحديد معظمها بواسطة المسوحات الزلزالية ولكنها تنتظر عمليات الحفر تتراوح بين 280 ـ 360 مليار برميل، أما بالنسبة للغاز الطبيعي تم تقدير الاحتياطيات المحتملة بحدود 9000 مليار متر مكعب أما الاحتياطي المثبت Proved Resave بلغ عام 2002 حوالي 3100 مليار متر مكعب، حصة الغاز المصاحب منها حوالي 2179 مليار متر مكعب أي بنسبة 70% من إجمالي الاحتياطيات الغازية، وتتركز معظم هذه الاحتياطيات في البصرة وذلك لضخامة الاحتياطي النفطي فيها ولارتفاع معدل الغاز إلى النفط، بينما قُدرت احتياطيات الغاز الحر بحوالي 921 مليار متر مكعب منها 455 مليار متر مكعب (حقول غازية)، أما عام 2007 تم تقدير احتياطي الغاز الطبيعي بـ 3,170 مليار متر مكعب بما يشكل نسبة 3,48% من احتياطي أوبك.
تظم محافظة البصرة أكبر ثروة نفطية في العراق، إذ تشير الإحصائيات إلى أنها تملك 15 حقلاً من أصل 77 حقلاً معروفاً، منها 10 حقول منتجة ما زالت تنتظر التطوير، كما تحتوي هذه الحقول احتياطياً نفطياً يزيد على 65 مليار برميل مشكلاً نسبة 59% من أجمالي الاحتياطي النفطي العراقي المثبت، أما إنتاج البصرة من النفط الخام بلغ 1,350 مليون ب / ي أي نسبة 57,86% من مجمل إنتاج العراق من النفط الخام البالغ 2,333 مليون ب / ي لعام 2009. وتضم البصرة مجموعة من الحقول العملاقة مثل:
حقل مجنون الذي يحتوي على احتياطي نفطي مؤكد يتراوح بين 23 ـ 25 مليار برميل وينتج الحقل حوالي 100 ألف ب / ي مع أن طاقته الإنتاجية لو تم تطوير الحقل تصل إلى 600 ألف ب/ي.
حقل نهران عمر وهو من حقول البصرة العملاقة، ما زال إنتاجه متواضعاً إذ بلغ حوالي 1000 ب/ي، ويمكن أن تصل طاقته بعد التطوير إلى حدود 500 ألف ب/ي، أما المكامن الرئيسية المنتجة في هذا الحقل فهي مكامن الزبير، نهر عمر، وله محطة إنتاج واحدة وعدد آبار النفط فيه 15 بئراً، أما احتياطيه المؤكد من النفط الخام بلغ 6 مليار برميل.
حقل غرب القرنة الذي يحتوي على احتياطي مؤكد يُقدر بـ 18 مليار برميل واحتياطي محتمل يُقدر بـ 40 مليار برميل، ويمكن أن تصل طاقته الإنتاجية إلى 1 مليون ب/ي، لكنه ينتج 120 ألف ب/ي في الوقت الحاضر، وهو من النفوط الخفيفة المرغوبة عالمياً، والمكامن المنتجة فيه هي، المشرف، السعدي، الزبير، وبلغ عدد آبار النفط فيه 247 بئراً، أما عدد آبار حقن الماء فهو 64 بئراً، وعدد محطات الإنتاج فهو 3 محطات.
حقل الرميلة الشمالي، في سبعينيات القرن الماضي كان عدد آباره أقل من 20، أما الآن فقد أصبح 340 بئراً نفطياً، وهو تاسع أعظم حقل نفطي عالمي، وبطبقاته أجود أنواع النفط، والمكامن الرئيسية فيه، زبير (رئيسي)، المشرف، نهر عمر، سجيل.
يحتوي هذا الحقل على 7 محطات لإنتاج النفط، و6 محطات لكبس الغاز، وكذلك 5 محطات لحقن الماء، أما آبار حقن الماء فقد بلغ عددها 129 بئراً، وهو ينتج بقسميه الشمالي والجنوبي 250 ألف ب/ي ويزيد احتياطيه النفطي عن 12 مليار برميل.
تتميز عملية استخراج النفط الخام في البصرة بتدني كلف الإنتاج فهي الأوطأ على النطاق العالمي وذلك لأن حقول النفط والغاز تقع على اليابسة وفي أعماق قريبة جداً من سطح الأرض، ومعظمها ذو جدوى اقتصادية عالية بسبب حجم الاحتياطي الضخم فيها وكبر مساحتها، ولا تتضمن تركيبات جيولوجية معقدة بسبب ضعف الحركات الميكانيكية للصخور، خصوصاً في المنطقة الجنوبية بسبب انحدار الأراضي نحو الخليج العربي، إذ قُدرت تكلفة استكشاف البرميل الواحد من النفط الخام في محافظة البصرة بحوالي 0,1 ـ 0,4 سنت / برميل، حسب طبيعة الحقل النفطي المكتشف، وقدرت في حقلي الزبير والرميلة والحقول القريبة منها بـ 1,570 دولار لكل برميل.
إن حقول البصرة العملاقة super giant تضاهي أكبر الحقول في العالم، واللافت للنظر حول حقول النفط في البصرة، أنها تمتاز بوفرة الموارد النفطية فيها، ويمكن بسهولة مضاعفة حجم الاحتياطي لو تم اعتماد تكنولوجيا متطورة يتم التنقيب بها عن النفط الخام واستخراجه وتصديره من موانئها. إلا أن واقع القطاع النفطي في البصرة متخلف كثيراً عن التطورات العلمية والتكنولوجية التي جرت في الصناعة النفطية خلال العقود الماضية، إذ ما زالت تستخدم أساليب إنتاجية تعود إلى سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ويمكن إدراج الملاحظات الآتية عن القطاع النفطي في البصرة:
1- تردي البنية التحتية للصناعة النفطية وتراجع عمليات الصيانة للخزانات النفطية وقدمها وتخلف تقنيات محطات الإنتاج والضخ نتيجة عدم كفاءتها وتدني نوعيتها وقدمها.
2- إن أية زيادة في إنتاج النفط العراقي وتنمية الطاقة الإنتاجية إلى 4 ـ 6 ملايين برميل لغاية 2010، تحتاج إلى شراء معدات عالية التقنيات والجودة وهذا يتطلب استثمارات تصل إلى نحو 15 مليار دولار كما قدرتها وزارة النفط العراقية، منها 7 مليارات دولار لتطوير حقول الجنوب.
3- تؤدي معضلة الفساد المالي والإداري في المؤسسات الحكومية دوراً مثبطاً للشفافية المطلوبة في تقدير العوائد الحقيقية لصادرات النفط العراقي وللمبالغ الموجودة في صندوق إعمار العراق بحيث تتردد الكثير من الشركات النفطية العالمية في تقديم استثمارات مباشرة بالرغم من جاذبية القطاع النفطي في البصرة، بسبب غياب الشفافية المالية من جهة والاحتقان الأمني من جهة ثانية، إذ قدر معهد تحليل الأمن العالمي (IAGS) أن صناعة النفط والغاز تم استهدافها 374 حادثة في العام 2006، منها هجمات على أنابيب النفط ومنشأت إنتاج وأفراد، وفي 2007 تم الهجوم على مقر هيئة تسويق النفط العراقية (SOMO) في بغداد، وتم اختطاف وكيل وزارة النفط ومجموعة من المدراء، كما أشار تقرير لمكتب المفتش العام صدر في منتصف تموز 2007 إلى أن العراق خسر نحو 24,7 مليار دولار منذ العام 2003 بسبب العنف والاضطراب السياسي الذين أعطبا مشاريع قائمة وأجّلا مشاريع جديدة.
أما بالنسبة للفساد المالي والإدراي المستشري في الدوائر النفطية يؤدي إلى كبح أي جهد حكومي يهدف إلى تغطية الطلب المحلي على المشتقات النفطية الأساسية، بحيث اضطرت الحكومة إلى استيراد البنزين الذي كان مبذولاً قبل سقوط النظام السابق، وبعده بعام واحد أصبح العراق مستورداً بمقدار 15 مليون لتر يومياً من دول الجوار مما يضيف أعباء على الميزانية العامة للدولة واستنزاف موارد العراق في استيراد البانزين وزيت الغاز، ووفقاً لتقارير وزارة النفط فإن استيراد المنتجات النفطية يكلف العراق حوالي 22 مليون دولار شهرياً، أو 2,4 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعادل حوالي 10% من إيرادات الصادرات النفطية السنوية، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاستيراد إلى أن يتم بناء وحدات جديدة في المصافي، فضلاً عن الفساد في العقود التي توقعها الإدارة الأميركية لإعادة إعمار القطاع النفطي، إذ كان مقرراً استعادة قدرة القطاع النفطي على الإنتاج بحدود 3 مليون ب/ي بحلول نيسان 2004 وبكلفة 1,1 مليار دولار (تمولها الولايات المتحدة)، غير أن الكلفة ارتفعت إلى ملياري دولار بتنفيذ كل من شركة Parsons بكلفة 800 مليون دولار في الشمال وشركة KBR بكلفة 1200 مليون دولار في الجنوب، كما أن التحقيق جار في صرف مبلغ قدره 208,5 مليون دولار بخصوص "تكاليف مشكوك بها" لإعادة إعمار القطاع النفطي من عقد لشركة KBR.
لقد عملت سلطة الائتلاف المؤقتة CPA على تعزيز الفساد في القطاع النفطي، إذ يشير التدقيق المالي للموازنة العمومية إلى اختفاء 20 مليار دولار من أموال العراق الخاصة، وقد نشرت دراسة تفيد بأن سلطة الائتلاف المؤقتة CPA منحت الشركات الأمريكية 74% من قيمة عقود إعادة إعمار القطاع النفطي المقدرة بـ 1,5 مليار دولار.
4- إن عمليات تهريب النفط عبر المنافذ الجنوبية من نتائجه السلبية إضافة إلى سرقة المال العام ضبابية حجم الإنتاج الفعلي من النفط الخام والمشتقات النفطية، مما يؤدي إلى إرباك في عمل وخطط عمليات التصدير الفعلية خاصة في معرفة مستويات الإنتاج اليومية، وفي تصريح مستشار الأمن الوطني أشار إلى (أن الفرق بين سجل التصدير الرسمي وسجل التصدير الفعلي اليومي للنفط هو 6000 ب/ي من النفط تذهب قيمتها إلى جيوب أمراء الحرب والميليشيات والعصابات المنظمة.
كما يشير تقرير المفتش العام لوزارة النفط العراقية إلى أن 30% من البنزين المستورد تتم سرقته، وإعادة بيعة في الخارج بواسطة عصابات التهريب التي تقوم بدفع الرشاوى، وتزوير المستندات من أجل ذلك، ويقدر المفتش العام أن ما بين 10% ـ 30% من الوقود المستورد من الخارج سنوياً إلى العراق والذي تبلغ قيمته ما بين 4 ـ 5 مليار دولار، يُعاد تهريبه مرة أخرى بسبب فروق الأسعار.
5- نتيجة للعزل الذي أصاب القطاع النفطي عن العالم الخارجي في عهد النظام السابق فقد فاتت الفرص الكثيرة لتدريب الفنيين واكتسابهم الخبرة في التقنيات النفطية الحديثة مما أثر على نوعية كفاءة العاملين إدارياً وتقنياً.
6- وجود المركزية في اتخاذ القرار، إذ إن مصدر القرار في بغداد يعيق تطوير القطاع النفطي في كافة المجالات، خاصة الحصول على تقنيات الإنتاج الجديدة وعقد الاتفاقيات مع شركات النفط العالمية لتطوير الحقول وتوسيع استثمارات الشركة والتعاون مع دول الجوار والقيود المفروضة على ميزانية الشركة التي هي جزء من ميزانية وزارة النفط.
7- وجود بطالة مقنعة في كثير من الوحدات الإدارية مقابل نقص في الكوادر الوسطى في الوحدات الفنية مما يضاعف من مصروفات الشركة ويعيق تطورها الإداري.